الثعلبي

291

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * « 1 » . إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي وقت معلوم فَاكْتُبُوهُ أي اكتبوا الذي تداينتم به بيعا كان أو قرضا لئلّا يقع فيه جحود ولا نسيان ولا تدافع . واختلفوا في هذا الكتابة ، هل هي واجبة أم لا ؟ فقال بعضهم : فرض واجب ، قال ابن جريج : من أدان فليكتب ، ومن باع فليشهد . وهذا القول اختيار محمد بن جرير الطبري ، يدلّ عليه ما روى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلّقها . ورجل كان له دين فلم يشهد ، ورجل أعطى سفيها مالا ، وقد قال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ « 2 » » . قال قوم : هو أمر استحباب وتخيير فإن كتب فحسن وإن ترك فلا بأس . كقوله : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا « 3 » . وقوله : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ « 4 » . هو اختيار الفراء . وقال آخرون : كان كتاب الدين والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ « 5 » وهو قول الشعبي . ثم بيّن كيفيّة الكتابة فقال عزّ من قائل : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وقرأ الحسن وَلْيَكْتِبْ بكسر اللام ، وهذه اللام ، لام الأمر ولا يؤمر بها غير الغائب ، وهي إذا كانت مفردة فليس فيها إلّا الحركة ، فإذا كانت قبلها وأو أو فاء أو ثم ، فأكثر العرب على تسكينها طلبا للخفّة ومنهم من يكسرها على الأصل . ومعنى الآية : وَلْيَكْتُبْ كتاب الدين . بيع البائع والمشتري والطالب والمطلوب . كاتِبٌ بِالْعَدْلِ أي بالحق والإنصاف فلا يزيد فيه ولا ينقص منه ولا يقدّم الأجل ولا يؤخّره ولا يكتب به شيئا يبطل به حقّا لأحدهما لا يعلمه هو . وَلا يَأْبَ ولا يمتنع كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وذلك إنّ الكتّاب كانوا قليلا علي عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم .

--> ( 1 ) سورة الحجر : 30 . ( 2 ) المستدرك : 2 / 302 . ( 3 ) سورة المائدة : 2 . ( 4 ) سورة الجمعة : 10 . ( 5 ) سورة البقرة : 283 .